فصل: تفسير الآيات رقم (135- 136)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تيسير التفسير ***


تفسير الآية رقم ‏[‏122‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ‏(‏122‏)‏‏}‏

قيلا‏:‏ قولا‏.‏

بعد ان بيّن اله احوال الذين يتبعون أهواءهم وملذّاتهم بإغواء الشيطان، ويتخذون آلهة غير الله، وذكر ان عاقبتهم الخسران في الدنيا ومأواهم جهنم في الآخرة بيّن هنا عاقبة أولئك الذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا صالحاً وهي فوزهُم من الله بجنات وارفة، فيها انهار جارية، يتمتعون فيها بنعمي خالد‏.‏ هذا وعد من الله، ووعدُ الله لا يكون إلا حقا، وهل أصدقُ من الله وعدا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏123- 125‏]‏

‏{‏لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ‏(‏123‏)‏ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ‏(‏124‏)‏ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ‏(‏125‏)‏‏}‏

الأماني‏:‏ ما يتمناه الانسان، وغالبا ما تكون خيالاً لا حقيقة‏.‏ ولياً‏:‏ يلي أمره ويدافع عنه‏.‏ نقيرا‏:‏ شيئا تافها، والنقير لغةً ما يكون على نواة التمرة‏.‏ الحنيف‏:‏ المستقيم لأنه مائل عن الزيغ والباطل‏.‏ خليلاً‏:‏ صديقاً محبا‏.‏

يقرر سبحانه وتعالى في هذه الآيات الكريمة قاعدة الاسلام الكبرى في العمل والجزاء، وهي‏:‏ ان ميزان الثواب والعقاب ليس موكولاً الى الأمانّي بل الى أصل ثابت، وسنّة لا تتخلّف‏.‏ إنه قانون تستوي أمامه الأمم، لا يحابي أحداً، ولا تُخرق له القاعدة‏.‏ ان صاحب السوء مجزيّ بالسوء، وصاحب الحسنة مجزيّ بالحسنة‏.‏ وليس فضلُ الدين وشرفه ولا نجاة اهله ان يقول القائل منهم‏:‏ ان ديني أفضل وأكمل، فالجزاء على قدر العمل، لا بالتمني والغرور‏.‏ انه ليس بما تتمنّون أيها المسلمون، ولا بما يتمناه اليهود والنصارى‏.‏ فالأديان لم تشرع للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتساب اليها دون العمل‏.‏ انما النجاة من العذاب بالايمان والعمل الصالح‏.‏

فمني عمل عملاً سيئا يُجزَ به، ولن يجد له وليّا غير الله يدفعت عنه الجزاء، ولا نصيرا ينقذه مما يحل به‏.‏

ومن يعمل عملاً صالحاً، سواء كان ذكرا او انثى، وهو مطمئن القلب بالايمان يدخل الجنة، لا يظلمه ربه شيئاً ولا يُنقص من علمه قليلاً او كثيرا‏.‏

وقد أردف سبحانه بعد ذلك ذِكر درجات الكمال فبيّن‏:‏ أن اساس عمل الخير منبعث من الاعتقاد السليم، وانَّ أحسنَ الدين ان يُخلص المرءُ فيجعل وجهه وعقله ونفسه لله، لا يطلب الا رضاه‏.‏ بذلك تستقيم مداركه فيدرك رسالة الرسل‏.‏ وقد عبّر سبحانه عن توجُّه الانسان لله بالوجه، لأن الوجه أعظمُ مظهرٍ لما في النفس من إقبال واعراض، وشرود وكآبة، وذلك مرآة لما في السريرة‏.‏

‏{‏واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ‏}‏ أي المِلّة التي كان عليه إبراهيم في ابتعاده عن الوثنية وأهلها، وعند سيدنا ابراهيم تلتقي الوحدة الدينية للمسلمين واليهود والنصارى، فاتّبِعوا طريقَ من أكرمه الله فاتخذه خليلاً‏.‏

وفي هذا الآية رد قاطع على كل من حدّثته نفسه بأنه هو أحسن من غيره، أو دينه أحسنُ من دين غيره، دون ان يعمل عتملاً صالحا ويؤمن إيماناً كاملا‏.‏ فقد كانت اليهود والنصارى يقولون‏:‏ نحن أبناء الله وأحباؤه، ودينُنا خير دين‏.‏ ولعل فكرة الاستعلاء هذه راودت بعض المسلمين فقالوا نحن خير أمة أُخرجت للناس، وأن الله متجاوز عما يقع منّا على أساس من ذلك‏.‏‏.‏‏.‏

لقد جاء هذا النص يردّ هؤلاء وهؤلاء الى الصواب، فهناك عند الله ميزان واحد هو إسلام الوجه لله، مع الاحسان واتباع ملة ابراهيم‏.‏

فأحسنُ الدين هو هذا الاسلام، ملة ابراهيم، واحسن العمل هو الاحسان، والإحسانُ ان تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏126‏]‏

‏{‏وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ‏(‏126‏)‏‏}‏

ان كل ما في السموات والأر ملك له، وهي من خلْقه مهما اختلفت صفات أفرادها‏.‏ انها مملوكة له خاضعة لأمره، وهو مهيمن على كل شيء، يعلم علم إحاطةٍ بكل ما يعمل الانسان، ويجازيه بمقتضاه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏127‏]‏

‏{‏وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا ‏(‏127‏)‏‏}‏

يستفتونك‏:‏ يطلبون منك بيان الحقيقة‏.‏ يفتيكم‏:‏ يبين لكم ما أشكلَ عليكم‏.‏ المستضعفين‏:‏ الضعفاء من اليتامى والولدان‏.‏

إنهم يطلبون منك يا محمد بيان ما غمُض من أحكام النساء، والمراد بهن هنا اليتيمات‏.‏ كان من عادة العرب في الجاهلية اذا كانت عند أحدهم بنت يتيمة صار وليها ووارثها، ورغب في تزوّجها ليأخذ مالَها‏.‏ وقد تكون غير جميلة ولها مال ولا يتزوجها ولا يزوجها من أحد‏.‏‏.‏ خشية ان يُحرم من مالها‏؟‏ فجاءت الآية هنا تدعو الى ترك عادات الجاهلية‏.‏ فالرجل الذي عنده يتيمة يريد ان يتزوجها يجب عليه ان يدفع لها مهراً كالمرأة الغريبة عنه‏.‏ واذا لم يرغب في زواجها فليتركها تتزوج من غيره‏.‏ كما بيّنت الآية أنه يجب توريث الضعفاء من الأولاد الصغار والنساء واعطاؤهم حقوقهم كاملة‏.‏ ثم رغَّب الله تعالى المؤمنين في العمل بما فيه فائدة لليتامى، وذكّرهم انه عالِمٌ لا يعزب عن علمه شيء، وهو مجازيهم بما يعملون‏.‏

والخلاصة‏:‏ ان الذي يتلى عليهم في الضعيفَين، المرأة واليتيم، هو ما تقدّمَ في أول السورة، لذلك يذكّرهم الله بتلك الآيات المفصّلة ليتدبّروها ثم يعملوا بها‏.‏ وهو بذلك كله يريد استئصال عادات الجاهلية والممقوتة، ويضع عوضاً منها تقاليد انسانية راقية يبني عليها المجتمع الاسلامي العظيم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏128‏]‏

‏{‏وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ‏(‏128‏)‏‏}‏

نشوزاً‏:‏ تجافيا وترفّعاً وإعراضا‏.‏ وأحضِرت الأنفس الشُّح‏:‏ جُبلت النفوس على البخل، والشحُّ أشدّ البخل‏.‏

إن خافت الزوجة من زوجها إهمالاً لشئون الأسرة وجفاءً لها وعدم اقبال عليها، كأن يقلّل من محادثتها او غير ذلك فيجب عليها ان تتريَّث‏.‏ فلعلّه يكون مشغولا، او يواجه بعض المشاكل في عمله‏.‏ ومن الأفضل لها أن تصارحه وتسعى في المصالحة معه، ولا بد لأحد الطرفين ان يتنازل قليلا عن بعض حقوقه‏.‏ والصلحُ خير من الفِراق، ورابطة الزوجية من أعظم الروابط وأحقها بالحفظ‏.‏ ولما كان الرجل هو الأقوى فإن عليه ان يعاشر زوجته بالمعروف وان يتحرى العدل معها قدر المستطاع‏.‏

‏{‏وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح‏}‏

ان النفوس عرضة للبخل، فينبغي ان يكون التسامح بينهما كاملا، لأنهما قد ارتبطا بميثاق الزوجية العظيم‏.‏ ثم رغب الله تعالى في بقاء الرابطةِ الزوجية جهد المستطاع فقال‏:‏ ‏{‏وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً‏}‏، ليعني‏:‏ إن تحسنوا العشرة فيما بينكم ايها الأزواج وتتقوا أسباب النشوز والإعراض فان الله سوف يجازي من أحسن منكم ويثيبه على ذلك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏129- 130‏]‏

‏{‏وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ‏(‏129‏)‏ وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا ‏(‏130‏)‏‏}‏

فتذروها‏:‏ فتتركوها‏.‏ المعلّقة‏:‏ التي ليست مطلَّقة ولا ذات بعل‏.‏ من سعته‏:‏ من غناه‏.‏

مهما حرصتم على العدل والمساواة بين الزوجات، حتى لا يقع ميل الى احداهن، فلن تستطيعوا ذلك‏.‏ وحتى لو قدرتم عليه لما قدرتم على إرضائهن به‏.‏ فالعدل الكامل ههنا في حكم المستحيل‏.‏ اذ لا بد ان يميمل الزوج بقلبه الى واحدة أكثر من الأخرى‏.‏‏.‏ من ثَم رفع الله عنكم ذلك، وما كلّفك الا العدلَ فيما تستطيعون بشرط ان تبذلوا فيه وسعكم، لان الميل القلبي لا يملكه المرء‏.‏

وقد كان رسول الله يقسم بين نسائه فيعدل‏:‏ ثم يقول‏:‏ «اللهم هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تُلمْني فيما تملك ولا أملك»، يعني القلب‏.‏

‏{‏فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الميل‏}‏

اذا كان العدل الكامل غير مستطاع فعليكم ألا تميلوا كل الميل الى من تحبون منهن وتعرضوا عن الأخرة، فتتركونها كأنها ليست زوجة، ولا مطلّقة‏.‏ وعليكم ان تصلحوا في معالمة النساء وتتقوا ظلمهنن ولا تفضّلوا بعضهن على بعض فيما يدخل في اختياركم كالقسم والنفقة، والله يغفر لكم ما لا يدخل في اختياركم كالحبّ وزيادة الإقبال‏.‏

ثم يبين الله تعالى ان الفراق قد يكون فيه الخير ان لم يكن هناك وفاق‏.‏

‏{‏وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ‏}‏

اذا لم يُمكن الإصلاح واستحكمتِ النفرة، فان التفريق أفضلُ إذ ذاك‏.‏ والله تعالى يعني كليهما من سعة رحمته وفضله‏.‏ الأرزاق بيده، وهو واسع الرحمة، وحكيم فيما شرع من الأحكام‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏131- 133‏]‏

‏{‏وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا ‏(‏131‏)‏ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ‏(‏132‏)‏ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا ‏(‏133‏)‏‏}‏

بعد أن أمر سبحانه بالعدل في شؤون المرأة والإحسان لليتامى والضعفاء والمساكين بيّن هنا أنه قد أمرنا بكل ذلك، لا لأنه يستفيد منه او أنه بحاجة الى اعمال العباد، فهو مستغن عن جميع المخلوقات، وإنما أمرَنا بالعدل حتى نزداد إيماناً وعملاً صالحا‏.‏ لذلك ترى انه كرر كونه مالك السماوات والأرض ومَن فيهن ثلاث مرات ليعلموا ذلك علم اليقين‏.‏

إن لبّ الدين هو الخضوع لخالق هذا الكون، والاعتراف بسلطانه المطلق على كل ما في السماوات والأرض أبرزَ وصيّته لكل من أنزل عليهم كتاباً من عنده فقال ما معناه‏:‏ وصّينا أهل الديانات السماوية ووصيانكم أنتم يا معشر المسلمين أن تخافوه وتعبدوه‏.‏

‏{‏وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض‏}‏

لا يخلّ بسلطانه شيء‏.‏ وهو غنيّ عنكم‏.‏‏.‏ ومع ذلك، فإنه يحمد لكم إيمانكم‏.‏ ثم كرر ذلك ‏{‏وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ فهو المسيطر والمدبّر، وكفى ان يكون هو المتولّي أمرَ هذا الكون العظيم لينتظم، والناس كي يعبدوه ويفوضوا أمورهم اليه‏.‏

ثم بيّن لمن يكفرون مآل شأنهم في ملك الله، وذكَر قدرته على الذهاب بهم والمجيء بغيرهم فقال ‏{‏إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ الله على ذلك قَدِيراً‏}‏ اي أنه قادر على إفنائكم من الوجود، وايجاد قوم آخرين من البشر وهو اذ يوصيهم بتقواه لا يضره شيء اذا لم يسمعوا الوصية ان ذلك لن يُنقص من ملكه شيئاً، وانما يوصيهم بالتقوى لصلاح حالهم‏.‏

وبقدر ما يؤكد الاسلام كرامة الانسان على الله وتفضيله على كل ما في الكون يقرّر هَوانَهُ على الله حين يكفر ويتجبّر، ويدّعي خصائص الألوهية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏134‏]‏

‏{‏مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ‏(‏134‏)‏‏}‏

يختم الله هذه الآيات بتوجيه القلوب الطامعة في الدنيا وحدها الى أنّ فضل الله أوسع، فعنده ثواب الدارين معا‏.‏ فعليكم ان تطلبوها معا، لا ان تقصُروا طلبكم على الأدنى وتتركوا الاعلى والأبقى‏.‏ ان الجمع بينهما هيّن ميسور، والله سميع لأقوال عباده بصير بجميع أمورهم‏.‏

وهكذا نجد ان الدين الاسلامي تكفّل بسعادة الحياة في الدارين، وقد حقّقها للمسلمين في صدر الاسلام‏.‏ ولو استقام المسلمون على سنّة كتابهم لا ستردوا مكانتهم التي بهرت العالم قروناً طويلة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏135- 136‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ‏(‏135‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ‏(‏136‏)‏‏}‏

القسط‏:‏ العدل‏.‏ قوامين بالقسط‏:‏ عاملين على اقامة العدل‏.‏ فلا تتّبعوا الهوى أن تعدِلوا‏:‏ فلا تتبعوا الهوى كراهة ان تعدلوا‏.‏ وان تلووا‏:‏ وان تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق بأن تحاولوا كتمانها‏.‏ او تعرضوا‏:‏ تمتنعوا‏.‏

بعد ان حثّ الشارع على العدل والمساواة في النساء واليتامى والضعفاء، عمّم الأمر هنا بالعدل بين الناس جميعا‏.‏ والعدل أحد مبادئ الاسلام الهامة، فهو نظام الوجود، والقانون الذي لا يختلف النظر فيه‏.‏

يا أيها المؤمنون‏.‏‏.‏ كونوا مواظبين على العدل مجتهدين في إقامته‏.‏ أدّوا شهاداتهم لوجه الله ولو على أنفسكم او والديكم او اقاربكم‏.‏ وان كان المشهود عليه غنياً أو فقيرا فلا تمتنعوا عن أداء الشهادة احتراماً لغناه، ولا رحمةً به لفقره‏.‏ ان الله أَولى بالنظر الى حال الغني والفقير منكم، فلا تتبعوا أهواءكم كراهةَ ان تعدِلوا‏.‏ وإن تلووا ألسنتكم لإخفاء معالم الحق او تمتنعوا عن الشهادة فإن الله يعلم ذلك، وسوف يجازيكم عليه بالحق‏.‏

يا أيها المؤمنون، آمِنوا بالله، ورسوله محمد، والقرآن الذي أوحاه إليه، وبما أنزله على من جاؤا قبل محمد من المرسلين‏.‏ إن من يكفر بالله وملائكته وكتبه جميعاً ورسُله ويوم البعث قد ضلّ عن الغاية التي يجب ان يبلغها الانسان من الكمال‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ نافع وابن كثير وابو بكر وابو عمرو وعاصم والكسائي «وان تلووا» كما هو هنا في المصحف، وقرأ حمزة وابن عارم «وان تلوا» يعني وان وَليتم اقامة الشهادة‏.‏ وقرأ نافع والكوفيون‏:‏ الذي نزَلَ، الذي نزَلَ، والذي أنزلَ، بفتح النون والهمزة، والباقون «نُزل» و«أنُنزل» بضم النون والهمزة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏137- 139‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ‏(‏137‏)‏ بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ‏(‏138‏)‏ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ‏(‏139‏)‏‏}‏

ان الذين آمنوا من اليهود بموسى، ثم كفروا حين غاب فعبدوا العِجل، ثم آمنوا بعد ان عاد اليهم، ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفراً بمحمد لن يغفر الله لهم ما يفعلونه من شر، ولن يهديهم الى الحق‏.‏ ذلك لأن أرواحهم قد دنست وقلوبهم قد عميت فلم يتوبوا، ولأن غفران الله يقتضي توبة واقلاعاً عن الشر، وهدايته تكون لمن يتجهون الى الحق ويطلبونه، لا للمتردّدين المضطرين في معتقدهم‏.‏

وبشِّر أيها النبيّ المنافقين ‏(‏والبشارة هنا سخرية منهم‏)‏ بأن الله قد أعدّ لهم عذاباً مؤلماً يوم القيامة‏.‏ ذلك لأنهم يتخذون الكافرين أصدقاء ونصراء من دون المؤمنين، اعتقادا منهم ان الغلبة ستكون من نصيبهم‏.‏ والصحيح ان العزة لله وحده، يؤتيها من يشاء، ومن اعتز بغير الله ذل‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏140- 141‏]‏

‏{‏وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ‏(‏140‏)‏ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ‏(‏141‏)‏‏}‏

يتربصون بكم‏:‏ ينتظرون وقوع أمرٍ بكم‏.‏ ألم نستحوذ عليكم‏:‏ الاستحواذ هو الاستيلا ء‏.‏

لقد أوصاكم الله في القرآن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها الكافرون او يستهزؤون ألا تجلسوا معهم‏.‏ اهجروهم الىأن يخوضوا في حديث آخر، فإن ظللتم معهم وهم على تلك الحالة كنتم اذنْ مثلهم في الكفر‏.‏ وهذا تهديد لكل من يسمع تنقّصاً في الدين او القرآن ولا يستطيع تغييره ثم لا يترك المجلس‏.‏ ان الله جامعٌ المنافقينَ والكافرين وكلَّ من يقعد معهم في جهنم جميعاً‏.‏

اولئك المنافقون ينتظرون ما يحدث لكم من خير أو شر، فإن نصَركم الله قالوا‏:‏ الم نكن معكم باعتبارنا من جماعتكم‏؟‏ وان كان للكافرين الظفرُ عليكم منُّوا عليهم وقالوا لهم‏:‏ ألم نمنحكم مودتنا ونمنعكم من المؤمنين‏؟‏ فاعرفوا لنا هذا الفضل وهاتوا نصيبنا مما اصبتم‏.‏

والله تعالى يحكم بينكم وبين هؤلاء المنافقين يوم القيامة، ولن يجعل للكافرين سبيلاً للغلب على المؤمنين ما دام هؤلاء متمسكين بدينهم متبعين لأوامره ونواهيه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏142- 143‏]‏

‏{‏إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏142‏)‏ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ‏(‏143‏)‏‏}‏

يخادعون الله‏:‏ يحاولون خداعه‏.‏ كُسالى‏:‏ جمع كسلان‏.‏ يراؤون الناس‏:‏ يعملون من أجل أن يرام الناس هم لا يؤمنون‏.‏ مذبذبين‏:‏ مترددين لا يستقرون على حال‏.‏

ان المنافقين يحسبون انهم يخدعون الله ويخفون عنه حقيقة أمرهم، وهو يكشف خداعهم لا محالة، فيُمهلهم يرتعون في شرهم، ثم يحاسبهم على ما يفعلون‏.‏ واذا قام هؤلاء المنافقون إلى الصلاة قاموا متثاقلين بدون رغبة ولا ايمان‏.‏ إنهم يخشون الناس فيوهمونهم انهم مؤمنون، كما يعملون الاعمال الطيبة لمجرد الرياء، حتى يراهم المؤمنون ويظنوهم منهم‏.‏ وهم لا يذكرون الله الا نادرا، ويظلّون مذبذبين تارة مع المؤمنين وتارة مع الكافرين، لأنهم طلاب منافع، ومن قضت سُنته تعالى ان يكون ضالاً عن الحق، فلن تجد له سبيلا للهداية‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏144- 147‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا ‏(‏144‏)‏ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ‏(‏145‏)‏ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ‏(‏146‏)‏ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ‏(‏147‏)‏‏}‏

الدرك‏:‏ بسكون الراء وبفتحها الطبقةُ من جهنم‏.‏ اعتَصموا بالله‏:‏ لجأوا اليه‏.‏

يا أيها المؤمنون لا تتتخذوا الكافرين أحبابا وانصاراً لكم من دون المؤمنين، أتريدون ان تجعلوا لله حجةً عليكم بأنكم منافقون‏؟‏‏.‏

إن المنافقين في سفلى طبقاتت جنهم، لأنهم شر أهلها‏.‏‏.‏ فقد جمعوا بين الكفر والنفاق، ومخادعة الرسول والمؤمنين وغشّهم‏.‏ ولن تجد لهم يا محمد نصيراً ينقذهم من العذاب‏.‏ ولا ينسحب ذلك على الذين رجعوا عن النفاق ولاذوا بالله وأخلصوا لدينه، فأولئك يعدُّون من المؤمين، وقد أعدّ لهم جزاءً عظيماً في الدنيا والآخرة‏.‏

ما ذا ينال الله من تعذيبه إياكم ان شكرتم وآمنتم‏؟‏ إنه لا يعذّب احداً من خلقه انتقاماً منه، ولا طلبنا لنفع، ولا دفعاً لضرٍ وانما يعاقب المجرمين لإصلاحهم وتطهيرهم، وهو شاكر لعباده عمل الخير، كما يعلم حالهم من خير أو شر‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ الكوفيون «الدرك» بسكون الراء والباقون «الدرك» بفتح الراء وهم لغتان‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏148- 149‏]‏

‏{‏لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ‏(‏148‏)‏ إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ‏(‏149‏)‏‏}‏

حُبُّ الله للشيء‏:‏ الرضا به والإثابة عليه‏.‏ السوء من القول‏:‏ ما يسوء الذي يقال فيه، كذِكر عيوبه ومساويه‏.‏

إن الله لا يرضى من المؤمين ان يقول السوءَ بضعهم لبعض، الا الّذي وقع عليه ظلم، فإن الله رخص له أن يشكوَ من ظلمه، ويشرح ذلك لصدق أو حاكم او غيره مما يساعده على ازالته‏.‏ واللهُ لا يحب لعباده ان يسكتوا على الظلم، وهو سميع لكلام المظلوم، وعليم باظلم الظالم، لا يخفى عليه شيء من أقوال العباد ولا افعالهم ونيّاتهم فيها‏.‏

وهكذا فإن الإسلام يحمي سمعة الناس مال م يَظلِموا‏.‏‏.‏ فإذا ظَلموا لم يستحقّوا هذه الحماية، عند ذلك يحق للمظلوم ان يجهر بكلمة السوء في ظالمه‏.‏ بذا يوفّق الإسلام بين حرصه على العدل، وحرصه على الأخلاق‏.‏‏.‏ ثم يوجه الناس إلى الخير عامة ويدعوهم الى العفو عن السوء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏150- 151‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ‏(‏150‏)‏ أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ‏(‏151‏)‏‏}‏

الايمان بالله ورسله ركنان أساسيان في العقيدة الاسلامية، والإيمان بهما واجب بدون تفرقة بين رسول وآخر‏.‏ وهناك فريق من الناس يؤمن ببعض الرسل دون بعض كقول اليهود‏:‏ نؤمن بموسى ونكفر بعيسى ومحمد، وقول النصارى‏:‏ نؤمن بموسى وعيسى ونكفر بمحمد‏.‏‏.‏ والفريقان على خطأ‏.‏ وهناك فريق ينكرون النبوّات‏.‏ وكل هؤلاء ينطبق عليهم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أولئك هُمُ الكافرون حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً‏}‏‏.‏

ثم بعد أن بيّن حال الخارجين عن طريق الايمان ذَكر حال الفريق الذي هو على الصراط المستقيم فقا‏:‏ والّذين آمنوا بالله ورسوله‏.‏‏.‏ الآية‏:‏ 152‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏152‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ‏(‏152‏)‏‏}‏

أما هؤلاء الذين يعتقدون بالله وبجميع رسله فإن الله سوف يجزل لهم الأجر يوم القيامة، ويهيِّئ لهم الثواب العظيم، والله سبحانه غفور رحيم‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ حفص عن عاصم وقالون عن يعقوب «سوف يؤتيهم» بالياء‏.‏ والباقون‏:‏ «نؤتيهم» بالنون‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏153‏]‏

‏{‏يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآَتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا ‏(‏153‏)‏‏}‏

جهرة‏:‏ عيانا، جهرا‏.‏ الصاعقة‏:‏ الشرارة الكهربائية التي تسبق سماع الرعد‏.‏ البينات‏:‏ الدلائل الواضحة‏.‏

في هذه الآية الكريمة وما يليها بيان لتعنُّت اليهود وجدلهم واصرارهم على الفكر، فقد طلبوا الى رسول الله ان يأتيهم بكتاب من السماء ‏{‏يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السمآء‏}‏ يَرَوْنَه ويلمسونه بأيديهم‏.‏ فقد قالوا‏:‏ يا محمد، إن موسى جاء بالأرواح من عند الله، فأتِنا بألواح مكتوبة بخط سماوي يشهد انك رسول الله‏.‏

ولقد روى الطبري في تفسيره ان اليهود قالوا للنبي‏:‏ «لن نبايعك على ما تدعونا إليه حتى تأتينا بكتاب من عند الله يكون فيه» من الله تعالى الى فلان‏.‏‏.‏ انك رسول الله، والى فلان‏.‏‏.‏ انك رسول الله، وهكذا، ذكروا أسماء معينة من أحبارهم «‏.‏ ما قصدُهم من ذلك الا التعنت والجدل‏.‏ ولن يقتنعوا حتى لو انزل الله ذلك الكتاب ولمسوه بأيديهم كما قال تعالى‏.‏ ‏{‏وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الذين كَفَرُواْ إِنْ هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 7‏]‏‏.‏

فلا تعجب ايها الرسول من سؤالهم هذا، فقد سألوا موسى فقالوا‏:‏ أرِنا الله عَياناً، فعاقبهم الله بأن أرسل عليهم صاعقة أهلكتهم‏.‏ ولم يقِفوا عند هذا الحدّ بل ازدادوا كفراً، فاتخذوا العجل إلَها وعبدوه، وهم عبيد الذهب والمادة، كل هذا رغم ما جاءهم به موسى من الأدلة الواضحة‏.‏ ومع ذلك فقد عفونا عنهم‏.‏ لكن العفو لم ينفع معهم ولم يقدّروه، فآتينا موسى سُلطة ظاهرة فأخضعناهم له‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏154‏]‏

‏{‏وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ‏(‏154‏)‏‏}‏

ورفعنا فوقهم جبل الطُّور المعروف ظُلَّة، مهدِّدين بإسقاطه عليهم، لِيفوفوا بعهدم بعد أن امتنعوا من الالتزام بأحكام التوراة‏.‏ وقلنا لهم ادخلوا باب القرية خاضعين لله، وأمرناهم ألا يعتدوا يوم السبت فلا يتعاطون فيه عملا‏.‏ وأخذنا منهم عهداً مؤكداً بذلك، لكنهم نقضوه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏155‏]‏

‏{‏فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏155‏)‏‏}‏

فسبب نقضهم للميثاق الذي أُخذ عليهم، إذ أحلّوا ما حرّم الله وحرّموا ما أحلّه من جراء كفرهم بآيات ربهم، وقتلهم الأنبياء الذين أرسلناهم، ظلماً وعدوانا، وإصرارهم على الضلال بقولهم‏:‏ ان قلوبَنا غُلْف لا تعي شيئا ختم الله على قلوبهم وأبقاهم في كفرهم فلا يؤمن منهم الا نفر قليل‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏156- 158‏]‏

‏{‏وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا ‏(‏156‏)‏ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ‏(‏157‏)‏ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ‏(‏158‏)‏‏}‏

بهتانا‏:‏ اختلافا وكذبا‏.‏ شُبّه لهم‏:‏ وقع لهم الشبه بين عيسى والمقتول الذي صلبوه‏.‏

لقد غضب الله عليهم جزاء كفرهم، بسبب رميهم مريم كذباً من عندهم باقتراف الزنا، وبحكم قولهم إنّا قتلنا عيسى بن مريم رسول الله مع ان الحق انهم لم يقتلوه ولم يصلبوه وإنما شُبّه لهم ذلك‏.‏ والواقع أنهم قتلوا شخصاً يشبهه‏.‏ اما الذين اختلفوا في شأنه فهم في شك من أمره، اذ ليس لهم به علم قطعي، وما يتبعون إلا مجرد الظن‏.‏

وروايات الأناجيل الموجودة الآن حول هذا الموضوع متناقضة، فبضعها يرى أن يهوذا الاسخريوطي أحد تلاميذ المسيح هو الذي سلّمه للجند وأخذ ثلاثين قطعة من الفضة اشترى بها قالا‏.‏ اعمال‏:‏ 18 و19‏.‏

وفي انجيل مَتَّى ان يهوذا ندم وردّ الثلاثين من الفضة الى رؤساء الكهنة والشيوخ قائلا‏:‏ قد اخطأت إذ سلّمت دماً بريئا‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ متّى 37 7‏.‏

وفي انجيل متّى أيضاً أن يهوذا ندم ومضى وخنق نفسه‏.‏ 27‏:‏ 5‏.‏

اما كتاب اعمال الرسل فيذكر ان يهوذا لم يخنق نفسه بل ‏(‏سقط على وجهه فانشقّ من الوسط‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏‏:‏ الخ ذلك‏.‏

والخلاصة‏:‏ ان روايات المسلمين جميعها متفقة على ان عيسى نجا ممن أرادوا قتله فقتلوا آخر ظناً منهم انه المسيح‏.‏

‏{‏وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏

وهذا تأكيد من القرآن بأن عيسى لم يُقتل أو يصلب بل رفعه الله إليه وأنقذه من أعدائه، والله عزيز لا يُغلب‏.‏ بهذه العزة أنقذ رسوله الكريم من أعدائه، وبحكمته جازى كل عامل بعمله‏.‏ وموضوع الرفع‏:‏ أهو بالروح أو بالجسد موضوع تكلم فيه المفسرون كثيرا فلا داعي لتفصيله هنا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏159‏]‏

‏{‏وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ‏(‏159‏)‏‏}‏

ان كل فرد من أهل الكتاب ينكشف له الحق في أمر عيسى قبل ان يفارق الحياة، فيدرك ان عيسى ما كانت إلا عبد الله ورسوله، ويؤمن على ذلك الأساس‏.‏ غير أن ايمانه يأتي متأخراً لا ينفعه‏.‏ ولسوف يشهد عليهم عيسى يوم القيامة انه قد بلّغ رسالة ربه، كما جاء في آخر سورة المائدة‏:‏ ‏{‏مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعبدوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 117‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏160- 161‏]‏

‏{‏فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ‏(‏160‏)‏ وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ‏(‏161‏)‏‏}‏

فبسبب ما ارتكبه اليهود من الجرائم، ولمنعهم كثيراً من الناس الدّخولَ في دين الله، وتعاملهم بالربا وقد نهى الله عنه، وأخذِهم أموال الناس بالرشوة والخيانة بسبب كل ذلك عاقبهم الله، فحرم عليهم ألواناً من الطيبات كانت حلالاً لهم من قبلُ وأعدّ لهم عذابا مؤلماً في جهنم الى الأبد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏162- 162‏]‏

‏{‏لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا ‏(‏162‏)‏‏}‏

ولكن‏:‏ هنك في اليهود والنصارى علماء راسخون في العلم، يؤمنون، شأن المؤمنين من أُمتك أيها النبي، بما أوحي اليك، أنت والرسل من قبلك ‏(‏مثل عبدالله بن سلام وأسيد بن سعية وثعلبة بن سعية، وغيرهم‏)‏، ويقيمون الصلاة ويؤدونها على أحسن وجوهها، ويدفعون الزكاة ولا يبخلون بها، ويؤمنون بالله واليوم الآخر‏.‏‏.‏ هؤلاء جميعاً سيجزيهم الله جزاءً وافياً وأجراً عظيماً لا يدرك وصفه إلا هو‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏163- 166‏]‏

‏{‏إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ‏(‏163‏)‏ وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ‏(‏164‏)‏ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ‏(‏165‏)‏ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ‏(‏166‏)‏‏}‏

الأسباط‏:‏ جمع سِبط وهو ولد الولد، والمراد بهم قبائل بني اسرائيل‏.‏ قصصناهم عليك‏:‏ روينا لك أخبارهم‏.‏ الزبور‏:‏ الكتاب اسمه الزبور‏.‏

يا محمد، لقد أوحينا اليك هذا القرآن بنفس الطريق التي أوحينا بها الى نوح والنبيين من بعده، ولم يُنزل الله تعالى صفائح مسطورة من السماء على أحد، كما سألك اليهود للتعجيز والعناد‏.‏ كذلك أوحينا الى إبراهيم وإسماعيل وباقي الأنبياء المذكورين، وآتينا داود كتاباً اسمه الزّبور‏.‏ بل لقد أرسلنا غير هؤلاء رسلاً آخرين أخبرناك ببعض أحداثهم ووقائعهم، ‏(‏كما في سورة الأنعام والقصص والأنبياء وهود والشعراء‏)‏ ورسلاً لم نخبرك عنهم شيئاً‏.‏

اما طريقة الوحي الى موسى على الخصوص، فاعلم يا محمد أن الله قد كلّمه تكليماً‏.‏ والحق أننا قد أرسلنا كل هؤلاء الرسل ليبشّروا من آمنَ وعمل صالحاً بالثواب العظيم، وينذروا من كفر بالعقاب المقيم‏.‏

اما اذا لم يشهد مجادلوك اليهود بصدق رسالتك، فان الله تعالى يشهد بذلك‏.‏ لقد أنزل كتابه اليك محكماً بمقتضى علمه، والملائكة يشهدون بذلك‏.‏‏.‏ وشهادة الله تعالى وملائكته تكفيك وتغنيك‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ حمزة‏:‏ زبوراً بضم الزاي والباقون بفتح الزاي‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏167- 169‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا ‏(‏167‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا ‏(‏168‏)‏ إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ‏(‏169‏)‏‏}‏

ان الذيبن كفروا بمحمد والقرآن، ومنعوا غيرهم من الدخول في دين الله بشتى الوسائل قد ضلّوا وبعدوا عن الحق‏.‏

ان الذين كفروا بما أُنزل إليك قد ظلموا أنفسهم بإعراضهم عن الطريق والموصل الى الخير والسعادة، كما ظلموا غيرهم بإغوائهم وكذبهم على الناس بكتمان الحقيقة‏.‏ لذلك لن يغفر الله لهم ما داموا على الكفر، ولن يهديهم طريق النجاة‏.‏ أما جزاؤهم فهو النار يُعذَّبون خالدين فيها ابدا‏.‏ تلك مقتضى حكمته تعالى سنُته في خلقه‏:‏ إن أحسنوا أثيبوا، وإن أساؤا حق عقابهم‏.‏‏.‏‏.‏ وكاتن ذلك على الله يسيرا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏170- 170‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآَمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ‏(‏170‏)‏‏}‏

بعد أن أقام الله تعالى الحجّةَ على أهل الكتاب وردَّ شبهاتِهم جاء هنا بهذه الدعوة الشاملة لجميع الناس‏:‏ إن هذا الرسولَ الكريم جاءكم بالدين الحق من عند ربكم، فمن آمن منكم فقد اهتدى الى الصراط المستقيم، وذلك أفضلُ لصالحكم، فاللهُ عنيٌّ عنكم جميعاً، له ما في السموات والارض، وهو يعلم الأمر كلَّه ويجريه وفق حكمته‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏171- 172‏]‏

‏{‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ‏(‏171‏)‏ لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ‏(‏172‏)‏‏}‏

الغلو‏:‏ مجاوزة الحد‏.‏ كلمته‏:‏ وهي «كُن» التي وُجد فيها‏.‏ ألقاها الى مريم‏:‏ أوصلها اياها‏.‏ روح منه‏:‏ لأنه خُلق بنفخٍ من روح الله وهو جبريل‏.‏ الاستنكاف‏:‏ الامتناع عن الشيء أنفةً وكِبرا‏.‏

بعد ان انتهى القرآن من محاجّة اليهود وإنصاف سيّدنا عيسى وأمه الطاهرة من افتراءاتهم وغلوِّهم في تحقيره عطف هنا الى إنصاف عيسى من غلو النصارى في شأنه، ورفضِ ما دخل عليهم من أساطير الوثنية التي تسربت الى عقيدة المسيح بعده، بفعل شتى الأقوام والمِلل‏.‏

يا أهل الكتاب من اليهود، لا تتجاوزوا الحدود التي حدّها الله، ولا تعتقدوا الا الحق الثابت‏:‏ أحذروا ان تفتروا على الله الكذب‏.‏ فتنكروا رسالة عيسى، او تجعلوه آلها مع الله‏.‏ إنما هو رسول من عند الله كسائر الرسل، خَلقه بقُدرته، كلمتِه التي نفخها روحه جبريل في مريم‏.‏ فالمسيح سرٌّ من أسرار قدرته، وليس ذلك بغريب‏.‏ أما خلَقَ آدَمَ من قبله من غير أب ولا أم‏!‏‏!‏ ‏{‏إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 59‏]‏‏.‏

قال القاسمي في تفسيره‏:‏ «يحكى ان طبيبا نصرانياً من أطباء الرشيد ناظر عليَّ بن حسن الواقدي ذات يوم فقال له‏:‏ ان في كتابكم ما يدل على ان عيسى عليه السلام جزء منه تعالى‏.‏ وتلا هذه الآية‏؟‏ ‏{‏إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ‏}‏‏.‏ فقرأ الواقدي قوله تعالى في سورة الجاثية‏:‏ ‏{‏وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض جَمِيعاً مِّنْهُ‏}‏، فقال إذن يلزم ان يكون جميع تكل الأشياء جزءاً من الله، تعالى علوا كبيرا‏.‏ فانقطع النصراني وأسلم‏.‏ وفرح الرشيد بذلك الجواب ووصل الواقديَّ بِصِلة فاخرةٍ‏.‏

آمِنوا يا نصارى بالله ورسله جميعاً إيماناً صحيحاً، ونزِّهوه عن كل شريك ومثيل‏.‏ لا تقولوا إن الآلهة ثلاثة‏.‏ انتهوا عن هذا الباطل، فهو نقيض لعقيدة التوحيد التي جاءت بها الأديان السماوية‏.‏ إن الله يا هؤلاء واحد منزَّه عن التعدد، فليس له أجزاء ولا أقانيم، ولا هو مركَّب ولا متَّحد بشيء من المخلوقات‏.‏

الأقانيم‏:‏ جمع اقنوم معناها الاصل، والاقانيم الثلاثة عند النصارى هي‏:‏ الأب والابن وروح القدس‏.‏

قال مرقص في الفصل الثاني عشر من انجيله‏:‏ ان أحد الكتبة ‏(‏من اليهود‏)‏ سأل يسوع عن أول الوصايا فأجابه‏:‏ أول الوصايا إسمع يا إسرائيل، الربُّ آلهنا واحد‏.‏‏.‏‏.‏ فقال له الكاتب» جيداً يا معلِّم، بالحق قلتَ إنّه واحد وليس آخرُ سواه‏.‏ فلما رأى يسوعُ أنه أجاب بعقلٍ قال له لستَ بعيداً عن ملكوت السماوات «‏.‏

هذا نص صريح على ان عقيدة المسيح التوحيد، سبحانه تعالى، تقدَّس ان يكون له ولد‏.‏ وما حاجته اليه، وكل ما في السموات والأرض ملك له‏!‏‏!‏

لن يأنَف المسيح او يترفع عن ان يكون عبداً لله، فهو عارف بعظمة الله وما يجب له من العبودية‏.‏ كذلك لن يأنف الملائكة المقربون عن ذلك، ومن يتكّبر على ذلك، أباً كان، فإن الله سيحشرهم يوم القيامة ويجزيهم اشد الجزاء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏173- 173‏]‏

‏{‏فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ‏(‏173‏)‏‏}‏

أما الذين آمنوا وصدّقوا بالله وعملوا ما استطاعوا من الخير فإن الله سيوفيهم ثواب أعمالهم، ويزيدهُم إكراماً وإنعاماً من فضله‏.‏ اما الذين تكبروا وأنفوا ان يعبدوه، فقد أعد لهم عذاباً شديد الإيلام، لن يدجدوا مَن يعينهم في دفع أذاه، ولا نصيراً ينصرهمخ على تخفيفه، ذلك انه لا عاصم آنذاك من امر الله إلا هو‏:‏ ‏{‏يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ‏}‏ ‏[‏الانفطار‏:‏ 19‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏174- 175‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ‏(‏174‏)‏ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ‏(‏175‏)‏‏}‏

يا أيها الناس‏.‏‏.‏‏.‏ هذا نداء عام للناس جميعاً، لأن الانسانية مشتَركة في البشر فالخطاب للجميع‏:‏

لقد جاءكم الدليل الواضح يا بني الانسان من قِبل ربكم، وهو يبين لكم حقيقة الايمان، وصدق رسالة محمد النبي الأميّ‏.‏‏.‏ ولقد أنزلنا اليكم مع هذا الرسول وعلى لسانه قرآناً يهديكم، يضيء لكم الطريق، ويوصلكم الى سعادة الدارين‏.‏ مع هذا اختلفتم‏.‏‏.‏‏.‏

فاما الذين صدّقوا منكم بالله ورسالاته، وتمسّكوا بدينه فسيُدخلهم الله برحمته في جنات عدْن، ويغمرهم بواسع فضله ورحمته، ويهديهم طريقاً قويماً، يفضي بهم الى السعادة في الدنيا والكرامة في الآخرة‏.‏ والمعنى الضمني‏:‏ وأما الّذين كذّبوا‏.‏‏.‏ فقد سبق ما قرّره لهم من عذاب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏176- 176‏]‏

‏{‏يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏176‏)‏‏}‏

الكلالة‏:‏ الذي ليس له ولد ولا والد‏.‏ هلك‏:‏ مات‏.‏

روى الإمام أحمد، الشيخان، وأصحاب السنن عن جابر بن عبدالله قال‏:‏ «دخل عليَّ رسولُ الله وأنا مريض لا أعقِل، فتوضّأ ثم صبّ عليَّ فعقلت‏.‏ فقلت نه لا يرثني إلا كلالة فكيف الميراث‏؟‏ فنزلت هذه الآية»‏.‏

والمعنى‏:‏ إن مات رجل وليس له ولد ولا والد يرثه، ولكن له أختاً فإنهنا تفوز بنصف التركة‏.‏ وان ماتت امرأة لا ولَد لها لكن لها أخاً واحداً نال ذلك الأخ كا ما تركت من المال‏.‏ فإن كان للميت اختان فقط فلهما الثلثان، وان كان للمورّث عدد من الأخوة والأخوات تنقسصم التركة بينهم‏:‏ للذكر نصيبان وللمرأة نصيب، والله عالِم بكل ما تعملون‏.‏

هكذا تختَتَم هذه السورة العظيمة التي بدأت بعلاقات الاسرة، وتكافلها الاجتماعية وتمضنت الكثير من التنظيمات الاجتماعية في ثناياها‏.‏ إنها تختَتَم بتكملة أحكام الكلالة‏.‏ وكان قد ورد بعض هذه الأحكام في أول السورة، بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امرأة‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏

ومع ختم آية الميراث، تختَتَم السورة بذلك التعقيب القرآني الذي يردّ الأمورَ الى الله ويربط تنظيم الحقوق والواجبات والأموال وغير ذلك بقوله ‏{‏يُبَيِّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}‏‏.‏

‏{‏بِكُلِّ شَيْءٍ‏}‏ من الميراث وغيره من علاقات الأُسَر والجماعات، والمجتمع وما فيه، من الأحكام والتشريعات‏.‏

والخلاصة‏:‏ إن سورة النساء عالجت أحوالَ المسلمين فيما يختص بتنظيم شئونهم الداخلية، وحفظ كيانهم الخارجي، لم تقف عند حد التنبيه على عناصر المقاومة المادية، بل نبهت على ما يجب ان تَحفظ به عقيدة الأمة ومبادءَها من الشكوك والشُّبه‏.‏ وفي هذا ايحاء يجب على المسلمين ان يلتفتوا اليه هذه الأيام، وهو ان يحتفظوا بمبادئهم كما يحتفظون بأوطانهم، وان يحصِّنوا انفسهم من شرب حربٍ هي أشد خطراً وابعد في النفوس أثرا من حرب السلاح المادي‏:‏ تلك هي حرب التحويل من دين الى دين، مع البقاء في الأوطان والاقامة في الديار والأموال‏.‏‏.‏

أَلا وان بقاء شخصية الأمة ليتطلب الاحتفاظَ بالجنابين‏:‏ جانب الوطن والسلطان، وجانب العقيدة والايمان‏.‏ وذلك كي نسترد ما ذهب من أوطاننا، وندرأ الخطر الكبير الذي يحيط بنا، من عدوٍ غاشم لا يتمسّك بدِينت ولا خُلُق‏.‏

سورة المائدة

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ‏(‏1‏)‏‏}‏

أوفوا بالعقود‏:‏ أنجِزوها‏.‏ العقد كل اتفاق بين اثنين فأكثر‏.‏ البهيمة‏:‏ ما لا ينطق من الحيوان‏.‏ الانعام‏:‏ البقر والابل والغنم وما أُحل من الحيوان البريّ‏.‏ حُرم‏:‏ جمع حرام وهو المحرم بالحجّ او لِعمرة‏.‏

يا أيها المؤمنون، حافِظوا على الوفاء بالعقود التي بينكم وبين الله، والعقود المشروعة التي بينكم وبين الناس‏.‏ فعلى كل مؤمن ان يفي بما عقده وارتبط به من قول أو فعل‏.‏ وكل عقد، وكل وعد، وكل عهد، وكل ميثاق انما هو عقد بين طرفين اللهُ ثالثهما، فمن نقضَه فقد أخل بالوفاء مع ربه‏.‏

فالزواج عقد، الوفاء به حُسن المعاشرة وتركُ المضارة‏.‏ والبيع عقد، والوفاء به عدم الغش وحُسن المعاملة‏.‏ والوعد عقد، والوفاء به انجازه‏.‏‏.‏ وهكذا سائر الاتفاقات التي تحمل بين طياتها حقوقها والتزامات‏.‏

إن هذا القرآن الكريم نُزّل على محمد لينشئ أمة، وليقيم دولة، وليربّي ضمائر وأخلاقاً وعقولا، ولينظم مجتمعاً ويحدّد روابطه مع غيره من المجتمعات والأمم‏.‏ ذلك هو الدين كما هو في حقيقته عند الله، وكما عرفه المسلمون أيامَ كانوا مسلمين‏.‏

وقد أحلّ الله لكم أكل لحوم الأنعام من الإبل والبقر والغنم وجميع الحيوانات الوحشية الا ما ورد النص بتحريمه‏.‏

ولا يجوز لكم صيدُ البّر إذا كنتم حرِمين بالحج او العمرِِة، او كنتم داخل حدود الحرم‏.‏ ان الله يستنّ ما يريد من الأحكام، فهي تصلح شئونكم وتناسب مصالحكم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏2‏)‏‏}‏

شعائر الله‏:‏ معالم دينه ومنها مناسك الحج‏.‏ الهَدي‏:‏ ما يُهدى الى الحرم من الأنعام ليُذبح فيه‏.‏ القلائد‏:‏ ذات القلائد من الهَدي، والقلادة ما يعلَّق في عنق الحيوان علامةً على أنه هَدي للحج‏.‏ آمين‏:‏ قاصدين‏.‏ لا يَجْرِمنّكُم‏:‏ لا يحملنكم‏.‏ شنئان‏:‏ شدة البغض‏.‏

يا أيها المؤمنون‏:‏ لا تستبيحوا حرمة شعائر الله فتتصرفوا بها كما تشاؤون‏.‏ ان مناسكَ الحج من هذه الشعائر، فحافِظوا عليها، ولا تتهاونوا في تعدّي حدودها‏.‏

كذلك الشهرُ الحرام‏.‏‏.‏ لا تنتهكوا حرمة هذه الأشهر، وهي‏:‏ ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، فلا تحاربوا فيها‏.‏

ولا تعترضوا الهَدي باعتصابه أو منع بلوغه محلَّه، ولا تنزِعوا القلائد من أعناق الأنعام المهداة للحج ولو كانت لأعدائكم‏.‏

وكذلك لا تعترِضوا الذين يقصدون بيت الله، يبتغون فضلاً منه ورضا‏.‏ وأياكم أن تصطادوا وأنتم في الحرم‏.‏ ليس ذلك لكم‏.‏ فإذا تحللتم من الإحرام فاصطادوا إن شئتم‏.‏ ولا يجوز ان يدفعكم بغضكم الشديد لقومٍ سبق أن صدّوكم عن المسجد الحرام الى أن تعتدوا عليهم‏.‏ وتعاونوا أيها المؤمنون على عمل الخير والطاعات، لا على المعاصي والاعتداء على الناس‏.‏ واتقوا الله بالسير على سُننه التي بيّنها لكم في كتابه حتى لا يصيبكم عقابه، انه شديد العقاب‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ ابن عامر، واسماعيل، عن نافع، وابن عياش عن عاصم «شنئان» بسكون النون، وقرأ ابن كثير وابو عمرو «إن صدوكم» بكسر الهمزة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏3‏)‏‏}‏

الموقوذة‏:‏ التي ضُربت حتى ماتت‏.‏ المترديّة‏:‏ التي سقطت من مكان عالٍ، او في بئر، وماتت‏.‏ النطيحة‏:‏ التي نطحها حيوانٌ آخر فقتلها‏.‏ مخصمة‏:‏ جوع‏.‏ متجانِف‏:‏ منحرف، مائل‏.‏

يبين لنا هنا عشرة أنواع أكلُها محرَّم‏:‏ لحم الميتة‏:‏ وهي الحيوان الذي مات من غير ذبح شرعي‏.‏ ولا يموت الحيوان إلا من مرض، وهذا المرض يجعل لحمه مضرّاً، والله تعالى لا يحب لنا الضرر‏.‏ وكان العرب يأكلون لحم الميتة ويقولون‏:‏ لِمَ تأكلون ما قتلتُم ولا تأكلون ما قتل الله‏!‏‏؟‏‏.‏

الدم‏:‏ وكان العرب يأكلونه‏.‏

لحم الخنزير‏.‏

ما أُهل لغير الله‏:‏ ويعني ما ذُكر اسمُ غير الله عند ذبحه‏.‏ كلّ حيوان مات خنقا‏.‏

الموقوذة‏:‏ وهي التي ضُربت حتى ماتت‏.‏ وما سقط من مكان عال فمات‏.‏ وما نطحه آخر فمات‏.‏ وكل حيوان افترسه السبع فمات‏.‏ الا ما ادركتموه قبل ان يموت، فذبحتموه، فهو حلال لكم بالذبح‏.‏ وكل حيوان ذبح للنُصُب والأصنام‏.‏

ويحرم عليكم ان تستقسِموا بالأزلام، وهي أعواد ثلاثة كان الجاهليّون يطلبون بواسطتها معرفة المغيبات‏.‏ كان يُكتَب على أحدها «أمرين ربي» وعلى الثاني «نهاني ربّي» ويُترك الثالث دون كتابة‏.‏ فكان من أراد سفَراً، أو زواجاً أو غير ذلك يأتي سادنَ الكعبة ويقول له‏:‏ استقسِم لي، أي اعرِف لي ما قسم الله لي‏.‏ فيُخرج السادن هذه الأعواد ويحرّكها في كيس او جراب ثم يسحب واحداً‏.‏ فإذا خَرج الذي عليه «أمرني ربي» أقدم الرجل على ما نوى، واذا خرج الذي عليه «نهاني ربي» امتنع عن العمل‏.‏ وان خرج الثالث واسمه الغُفْل أعاد السحبَ من جديد‏.‏

وهذا وما شابه من الخرافات والأوهام لا يركن اليها الا ضعيف لعقل والإيمان‏.‏ وقد حرّمها الاسلام «ذلكم فِسْق»، فهي خروج عن طاعة الله، فامتنِعوا عنه‏.‏

‏{‏اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ‏}‏

انقطع رجاؤهم في القضاء عليكم، فلا تخافوا ان ينقلبوا عليكم واتّقوا مخالفة أوامري‏.‏

‏{‏اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ‏.‏‏.‏‏}‏

نزلت هذه الآية يوم الجمعة، بعرفة، في حجة الوداع، «وأتممتُ عليكم نعمتي» بإعزازكم وتثبيت اقدامكم، «واخترت لكم الاسلام دينا»‏.‏

روى الطبري في تفسيره ان النبي عليه السلام لم يعشْ بعد نزول هذه الآية إلا إحدى وثمانين ليلة، ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام، فكانت آخر ما نزل من القرآن‏.‏

ونعود الآن الى عطف على آية التحريم، لنجد ترخيصاً فيه منطق وتيسير‏.‏ إنه يقول‏:‏ لقد عددتُ المحرّمات، لكن من الجأته الضرورة الى تناول شيء منها ففعَل، لدفع الهلاك عن نفسه، غير متعدٍّ ذلك الحد، ولا منحرف عن أوامر الله فلا إثم عليه ان يأكل‏.‏ ان الله يغفر له، فالضرورات تبيح المحذورات‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ‏(‏4‏)‏‏}‏

الجوارح‏:‏ كل ما يصيد من الكلاب والفهود والطير‏.‏ مكلبين‏:‏ من التكليب، وهو تعليم الكلاب الصيد، وصار يستعمل في تعليم الجوارح‏.‏

يسألك المؤمنون أيها الرسول‏:‏ ماذا أُحل لنا من الطعام‏؟‏ فقل لهم‏:‏ أُحِلّ لكم كل طيب تستطيعه النفوس السليمة، وأُحل لكم صيدُ الجوارح التي علّمتموها الصيدَ بالتدريب‏.‏ مستمدِّين ذلك مما علّمكم الله، فكلوا ما تمسكه هذه الجوارح عليكم وتصيده لكم‏.‏ واذكروا اسم الله عند إرسالها كما روي ذلك عن ابن عباس «إذا ارسلتَ كلبَك وسمَّيْتَ فأخذَ، فقتَل، فكُل»‏.‏ واتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، فإنه سريع الحساب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏5‏]‏

‏{‏الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ‏(‏5‏)‏‏}‏

المحصنات‏:‏ الحرائر الغفيفات‏.‏ الأجور‏:‏ المهور‏.‏ محصنِين‏:‏ أعفّاء‏.‏ مسافحين‏:‏ مجاهرين بالزنا‏.‏ أخدان‏:‏ عشاق‏.‏ حبط عمله‏:‏ بطل ثواب عمله‏.‏

اليوم، بعد نزول هذه الآية، أُحلت لكم الطّيبات وصار حكمها مستقراً ثابتاً‏.‏ وأُحلّّ لكم طعامُ اليهود والنصارى وذبائحهم مما لم يرد نص بتحريمهن، كما أُحلّ طعامكم لهم‏.‏ ومن النساء أَحلَّ الله لكم نكاح الحرائر العفيفات من المؤمنات، ومن نساء اهل الكتاب، إذا أدّيتم لهن مهورهن بقصد الزواج، لا لإنشاء علاقات غير شرعية، أو اتخاذ عشّاق‏.‏ كل هذا حلال لكم‏.‏ ومن ينكر شرائع الإسلام التي من جملتها ما بينّا هنا فقد بطَل ثواب عمله وخاب، وهو في الآخرة من الهالكين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏6‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ‏(‏6‏)‏‏}‏

ان أعظم الطاعات بعد الايمان الصلاة، ولا يمكن إقامتها الا مع توافر الطهارة‏.‏ لذلك بدأ سبحانه في بيان كيفية الوضوء‏.‏ فأبان‏:‏

إذا أردتم ان تقوموا الى الصلاة، أيها المؤمنون، لم تكونوا متوضئين، فابدأوا بغسل وجودهكم وأيديكم الى المرافلق، وامسحوا رؤوسكم كلَّها او بعضها، واغسِلوا أرجلكم الى الكعبين‏.‏

هذه هي فروض الوضوء، أما سُننه ومستحباته فيه مفصّلة في كتب الفقه‏.‏ وعند الشيعة الإمامية يجب مسح ظاهر القدمين الى الكعبين فقط‏.‏ وقد قال بعض علماء السلَف بالمسح، لكنْ مسح القدمين بكاملهما الى الكعبين‏.‏

أما اذا كنتم جنُباً وتودون الصلاة فعليكم ان تتطهروا بغسل جميع جسدكم بالماء‏.‏ وان كنتم مرضى مرضاً يضر معه استعمال الماء فتيمّموا‏.‏ فإن كنتم مسافرين ولم تجدوا ماء فتيمّموا‏.‏ واذا ذهبتم لقضاء الحاجة، او لا مستم النساء ولم تجدوا ماء فتيمموا أيضاً، ففي ذلك كافية‏.‏

وكيفية التيمُّم أن يضربَ بكفّيه على التراب ويمسح بهما وجهه، ثم يضرب ضربةً اخرى يمسح بها كفّيه الى الرسغين‏.‏

الترخيص تيسيرٌ من فضل الله، فهو لا يريد ان يُحرجنا، بل ان يطهّرنا ظاهراً وباطناً وأن يُتم نِعمَه علينا بالهداية والبيان والتيسير، حتى نشكره على ذلك بالمداومة على طاعته‏.‏ انظر الآية ‏(‏43‏)‏ من سورة النساء‏.‏

قراءات‏:‏ قرأ ابن عامر وحفص والكسائي ويعقوب «وأرجلكم» بنصبه، وقرأ حمزة والكسائي «وأرجلكم» بجره، عطفاً على «رؤوسكم»‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي «لمستم» دون ألف، والباقون «لامستم»‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏7‏]‏

‏{‏وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ‏(‏7‏)‏‏}‏

بعد ان بين سبحانه هذه الأحكام للمسلمين يومذاك أَتبع بنعمه التي أنعم بها عليهم، ومنها انهم كانوا كفاراً متباغضين فأصبحوا بهدايته إخواناً متحابّين‏.‏ وهو يخاطبهم أن اذكروا العهد الذي عاهدكم به حين بايعتم رسوله محمداً على السمع والطاعة حين قلتم له‏:‏ سمعْنا ما أمرتَنا به ونهيتنا عنه، وأطعْناك فيه فلا نعصيك في معروف‏.‏ اتّقوا الله بالمحافظة على هذه العهود فإنته عليم بخفيّات ما تضمرونه فمُجازيكم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏8‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ‏(‏8‏)‏‏}‏

قوامين لله‏:‏ دائبين على القيام بعهود الله واماناته‏.‏ شهداء بالقسط‏:‏ بالعدل‏.‏ لايجرمنكم‏:‏ لا يحملنكم الشنئان‏:‏ البغض الشديد‏.‏

بعد ان أمر الله عباده بالوفاء بالعقود عامة، ثم امتنّ عليهم بإباحة كثير من الطيبات وأمرهم بالطهارة مع رف الحرج عنهم دعاهم الى العدالة المطلقة مع الأولياء والأعداء على السواء‏.‏

يا أيها المؤمنون، حافِظوا على أداء حقوق الله دائماً، وأدّوا الشهادة بين الناس بالعدل، فالعدل ميزان الحقوق‏.‏ وحين يسود الجور والظلم في أمةٍ تزول الثقة في الناس‏.‏ لذا انتشرت المفاسد وتقطّعت روابط المجتمع في هذه الأيام‏.‏

ولا تسمحوةا لأنفسكم ان تنساق وراء مشاعركم الخاصة، فلا يجوز أن يدفعكم بُغضكم الشديد لقوم ان تُجانِبوا العدلَ معهم‏.‏ ان العدل منكم اقربُ للتقوى وخشية الله، فاخشوا الله في كل أموركم، انه عليم بها، وسيجازيكم على أساسها‏.‏ فالعدالة في الإسلام أساس عظيم ترتكز عليه هذه العقيدة المتينتة التي ترتقي بها النفوس الى اعلى مستوى في هذه الحياة‏.‏

وقد كثرت أوامر الله في القيام بالعدل، فأمر به عاماً وخاصاً، مع المخالفين في الدين، وفي الحكم والقضاء، وبين الأولاد والزوجات، بل أمر به المؤمنَ مع نفسه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏9- 10‏]‏

‏{‏وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ‏(‏9‏)‏ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ‏(‏10‏)‏‏}‏

لقد تفضل سبحانه فوعد المؤمنين العاملين بإيمانهم أن يعفو عن ذنوبهم ويعطيهم الأجر العظيم‏.‏ وهنا قَرَن الإيمان بالعمل، ذلك ان العملَ مظهر لازمٌ عنه في تلك الحال‏.‏

اما الذين جحدوا دينه، وكذّبوا بآياته الدالة على وحدانيته فهم من أهل جهنم يوم القيامة‏.‏

وهكذا يأتي القرآن بصور متقابلة في كثير من آياته حتى يظهر الفرق بين المؤمن والكافر، وما ينتظر كلاً منهما‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

هناك عدة روايات في سبب نزول هذه الآية، احداها قصة أعرابي «جاء الى الرسول الكريم وهو جالس تحت شجرة، سيفه معلَّق عليها، وأصحابه متفرقون عنه‏.‏ فأخذ الأعرابي السيف وقال للنبي‏:‏ ما يمنعك منّي‏؟‏ فقال‏:‏ الله، فسقط السيف من يد الرجل‏.‏ وهنا أخذه الرسول وقال للرجل‏:‏ ما يمنعك مني‏؟‏ فقال‏:‏ لا أحد، فكن خير آخِذٍ‏.‏‏.‏ أي اقتلني برِفق ان كنت ستفعل‏.‏ وقد عفا عنه الرسل‏.‏ فأسلم وذهب الى قومه وقال لهم‏:‏ جئتكم من عند خير الناس»‏.‏

وهناك عدة روايات أخرى‏.‏‏.‏ والمهمّ أن الله تعالى يمنّ على المؤمنين ويذكّرهم بنعمه عليهم‏.‏

يا أيها الذين آمنوا، تذكّروا نعمة الله عليكم وقت الشدّة حين همَّ قوم من المشركين ان يغدِروا بكُم وبنبيّكم، فأحبط الله كيدهم وكفّ أذاهم‏.‏ فاتّقوا الله الذي أراكم قدرته على أعدائكم، وتوكّلوا عليه وحده في جميع أموركم، انه خير كافل وأعظم معين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 13‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ‏(‏12‏)‏ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏13‏)‏‏}‏

النقيب‏:‏ الرئيس‏.‏ عزرتموهم‏:‏ نصرتموهم‏.‏‏.‏ التعزير يأتي بمعنى النصر والتعظيم‏.‏

لقد اخذ الله عهداً على بني اسرائيل ان يعملوا بما في التوراة، شريعتهم التي اختارها لهم، ولا يزال هذا الميثاق في آخر الاسفار الخمسة المنسوبة الى موسى‏.‏ يومذاك أقام عليهم اثني عشر رئيساً منهم لتنفيذ العهد، ووعَدَهم أن يكون معهم ويمُدّهم بالعون والنصر إن أقاموا الصلاة على حقيقتها، وأدعوا الزكاة المفروضة عليهم، وصدّقوا بجميع رسله ونصروهم، ثم بذلوا المال نافلةً منهم في سبيل الخير‏.‏ اذا فعلوا كل ذلك، تجاوضزَ عن ذنوبهم، وأدخلهم جناتٍ في الآخرة من تحتِها الأنهار‏.‏ أما من جحد ونقض العهد فقد حاد عن الطريق السويّ، فله جزاءٌ آخر‏.‏

لكن بني اسرائيل نقضوا الميثاق‏.‏ لذا استحقّوا اللعن والطرد من رحمة الله وصارت قلوبهم قاسيةً لا تلين لقبول الحق‏.‏ لقد أخذوا يحرّفون كلام الله عن معناه الأصلي الى ما يوافق هواهم، وتخلّوا عن كثير مما أُمروا به في التوراة‏.‏ وها أنت يا محمد لا تزال تطَّلع من اليهود على خيانة إثر خيانة، فلا تظنَّ أنك أمِنت كيدهم بتأمينك إياهم على أنفسهم‏.‏‏.‏ لا، فهم قوم غدّارون لا أمان لهم، الا قليلا منهم أسلموا وصدّقوا فلم يخونوا‏.‏ وعن هؤلاء تجاوزْ يا محمد واصفحْ، وأسحن اليهم، ان الله يحب المحسنين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏14‏]‏

‏{‏وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ‏(‏14‏)‏‏}‏

وكما أخذنا ميثاقاً على اليهود أخذنا مثله من النصارى‏:‏ أن يؤمنوا بالإنجيل وبالوحدانية، والثبات على طاعتنا وأداء فرائضنا، وابتاع رسلنا والتصديق بهم‏.‏ لكن هؤلاء أيضاً تخلّوا عن كثيرا مما أُمروا به في الأنجيل الحقيقي‏.‏ فعاقبلهم الله على ذلك بإثارة العداوة والخصومة بينهم، وهذه المشاهد والحوادث تثبت هذه العداوة‏.‏ وأكبر دليل على ذلك ما يجرى اليوم من قتال مرير في ايرلندا الشمالية بسبب التعصب الديني والطائفي‏.‏ وفي كل الدول التي تدّعي المدنيّة ممن يدين بالنصرانية، لا تدخل طائفةٌ كنيسة الطائفة الأخرى حتى هذا اليوم‏.‏ ولا يصلّون الا في كنائسهم، ولا يتزاوجون الا نادراً، ويكون الزواج مدنياً في أغلبِ الأحيان‏.‏ وسوف يخبركم الله يوم القيامة بما كانوا يعملون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 16‏]‏

‏{‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ‏(‏15‏)‏ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏16‏)‏‏}‏

يا أهل الكتاب‏:‏ لقد جاءكم محمد داعياً الى الحق، يظهر لكم كثيراً مما كنتم تكتمونه من التوراة والانجيل، مثل‏:‏ صفة النبي، وقضيته الرجم، وبشارة عيسى فيه، وغير ذلك‏.‏‏.‏ ومع هذا فإن رسولنا لا يتعرض لكثير مما تخفونه وتكتمونه لأنه لا حاجة الى إظهاره‏.‏ فلماذا تحيدون عن صواب اتّباعه‏!‏‏!‏ لقد جاءكم من عند الله بشريعة كاملة هي نور بذاتها، أضاءت العالم، ونشرت فيه العدالة والمساواة‏.‏‏.‏ فلماذا تتعامون عن الحقيقة‏!‏‏!‏ إن الله يهدي بهذا الكتاب كلَّ من أطاعه واتّبع رضاه وبه يُخرج هذا العالم من ظلمات الكفر الى نور الإيمان، كما يهديهم الى الطريق القويم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏17‏]‏

‏{‏لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏17‏)‏‏}‏

لقد دخل على عقيدة النصارى كثير من التغيير والتبديل، ولم تتسرّب هذه الانحرافات والتبديلات كلها دفعة واجدة، بل على فترات‏.‏ لقد أضافتها المجامع واحدةً بعد الأخرى، الى ان انتهت بهذا الخلط العجيب الذي تحار فيه العقول، حتى عقول الشارحين للعقيدة من اهلها‏.‏

وقد كُتب الكثير في هذا الموضوع في الغرب والشرق‏.‏ والأقوال في المسيح كثيرة، عُقدت لتصفية الخلافات فيها عدة مجامع‏.‏ منها‏:‏ «مجمع نيقية» عام 325 ميلادية، و«مجمع القسطنطينية» عام381م‏.‏ و«مجمع إفسس» عام 430م‏.‏ و«مجمعُ خلقيدونية» عام 451م، وغير ذلك‏.‏ ومن أحبَّ التفصيل فليراجع كتاب «محاضرات في النصرانية» للاستاذ الشيخ محمد أبو زهرة‏.‏

والله تعالى هنا يكذّب الجميع ويقول‏:‏ لقد كفر الذين زعموا باطلاً أن الله هو المسيح ابنُ مريم‏.‏ اسألهم يا محمد‏:‏ هل يقدر أحد على دفع الهلاك والموت عن المسيح وأمه، بل عن سائر الخلق جميعاً ان اراد

الله ان يهلكهم‏؟‏ ان هناك فرقاً مطلقاً بين ذات الله سبحانَه وطبيعتِه ومشيئته وسلطانه، وبين ذات عيسى وذاتِ أمه وكلّ ذاتٍ أخرى‏.‏ فذاتُ الله واحدة، ومشيئته طليقة، وسلطانه منفرد‏.‏ فإذا كان المسيح لا يستطيع أن يدفع عن نفسه او أمه الهلاك، كما لا يستطيع ان يدفعه عن غيره فكيف يكون هو الله‏؟‏‏!‏ ان لله وحدَه، لا لعيسى، مُلك السماوات والأرض وما بينهما، يخلق ما يشاء على اي مثال أراد، والله على كل شيء قدير‏.‏